عبد الوهاب الشعراني
39
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
ذلك غيرة على طريق أهل اللّه - عزّ وجلّ - أن يظهر لغيرهم ، فيفهموها على خلاف الصّواب ، فيضلّوا في أنفسهم ، ويضلّوا غيرهم « 1 » ، فقد ألمح إلى أنّ لكلّ طائفة من العلماء ألفاظا يستعملونها ، وقد انفردوا بها عمّن سواهم ، كما تواطؤوا عليها لأغراض لهم فيها من تقريب الفهم على المتخاطبين بها ، أو للوقوف على معانيها بإطلاقها ، وهم يستعملون ألفاظا فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والسّتر على من باينهم في طريقتهم ، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها " « 2 » . أمّا القاشانيّ فقد التمس باعثا آخر أفضى به إلى صنع مصنّف قائم برأسه في مصطلحات القوم ، ملتفتا إلى مبدأ التّواصل والتّلقّي ؛ ذلك أنّه رأى أنّ كثيرا من علماء الرّسوم قد استعصى عليهم فهم ما تضمّنته هذه الكتب من النّكت والأسرار ، فأحبّ أن يشرح ما تواطأ عليه القوم من الألفاظ والألقاب التي يعبّرون بها عمّا يتداولونه بينهم من علومهم الإلهيّة ، وما به يفهم بعضهم عن بعض ، كما جرت عليه عادة أهل كلّ فنّ « 3 » . وقد التفت الشّعرانيّ ، على نحو معجب ، إلى دلالة المصطلح ورمزيّته في علوم القوم ، وإلى ما قد يقوم في نفس بعض من ينكر عليهم ذلك ، مشيرا إلى أنّ في إخفاء ذلك ، وفي هذه الرّمزيّة رائحة ريبة ، وفتحا لباب رمي النّاس لهم بسوء العقيدة وخبث الطّويّة ، والجواب الذي ارتضاه أنّهم إنّما رمزوا ذلك رفقا بالخلق ورحمة بهم ، فما ذلك - كما يقرّر الشّعرانيّ - إلّا لدقّة مداركهم حين صفت قلوبهم ، وخلصت من شوائب الكدورات الحاصلة بارتكاب الشّهوات والآثام ، ولا يجوز لأحد أن يعتقد أنّهم يخفون كلامهم إلّا لكونهم فيه على ضلال ، فهذا سبب رمز من جاء بعدهم للعبارات التي دوّنت ، وكان من حقّها ألّا تذكر إلّا مشافهة ، وألّا توضع في الطّروس ، ولكن ، لمّا كان العلم يموت بموت أهله ، دوّنوا علمهم ورمزوه « 4 » . لنرجع النّظر في بعض المصطلحات الواردة في " القواعد الكشفيّة " لاستشراف
--> ( 1 ) انظر : الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، 43 . ( 2 ) انظر : القشيري ، الرسالة القشيرية ، 53 . ( 3 ) انظر : القاشاني ، لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام ، 6 . ( 4 ) انظر : الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، 43 .